هل غضبت السيدة الزهراء على أمير المؤمنين

اذهب الى الأسفل

هل غضبت السيدة الزهراء على أمير المؤمنين

مُساهمة من طرف Admin في 17/1/2018, 14:03

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد

هل غضبت الزهراء على أمير المؤمنين عليهما السلام؟



قال النبي الأكرم - صلى الله عليه وآله - لابنته الزهراء سلام الله عليها: "إن الله يرضى لرضاك، وبغضب لغضبك".

رواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" 5 : 363 برقم 2959 ، وأبو يعلى الموصلي في "معجمه" برقم 216 ، والطبراني في "المعجم الكبير" 1 : 108 و 22 : 401 ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" 3 : 153 – 154 ، وأبو نعيم الأصفهاني في "فضائل الخلفاء الراشدين" برقم 141 ، وابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" 3 : 156 ، وابن الأثير الجزري في "أُسْد الغابة" 5 : 522 ... وغيرهم.

وحسنه الحافظ السيوطي في "الثغور الباسمة في مناقب فاطمة" (ص30) ، والحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9 : 203 ، والحافظ المناوي في "إتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب" ص65 ، والصالحي الشامي في "سبُل الهدى والرشاد" 11 : 44 ، والشيخ محمد بن علي الصبان في "إسعاف الراغبين" المطبوع بِهامش كتاب "نور الأبصار" ص187 ، وصححه الحاكم في المستدرك 3 : 153 – 154 .

ونظراً إلى التهديد الذي تمثله هذه الرواية على الفكر التقديسي لأبي بكر نظراً إلى ثبوت أنه أغضب فاطمة الزهراء، فقد كانت لبعض شيعة أبي بكر محاولتان مشبوهتان:

المحاولة الأولى: إنكار وجود الحديث في كتب الحديث المعروفة، أو كونه مسنداً بسند صحيح أو حسن.. وهي المحاولة التي لم يكن ليتصدى لها غير ابن تيمية ومن شاكله.. فقد قال ابن تيمية في منهاج سنته: "ما رووا هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُعرف هذا في شيء من كتب الحديث المعروفة، ولا له إسنادٌ معروف عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا صحيح ولا حسن" !! وما عشت أراك الدهرُ عجباً.

المحاولة الثانية: محاولة الهروب إلى الأمام، وذلك بذرِّ الرماد في أعين البسطاء، وذلك بتحويل النقاش صوب طرح الإشكال، بدلاً من التفكير في إنقاذ كرامة أبي بكر.. وذلك بذكر روايات في كتب الشيعة تُدّعى دلالتُها على أن الزهراء غضبت على أمير المؤمنين علي عليه السلام..! وهذه المحاولة لم يتفطن لها إلاَّ وهابية هذا العصر.. و هذا الموضوع هو لمناقشة ثلاث روايات نقلوها من كتب الشيعة بصدد تحقيق هذه المحاولة الثانية.. وإليكم الروايات مع نقدها والإجابة عنها:



الرواية الأولى:

رواية علل الشرائع للشيخ الصدوق:

كنت أنا وجعفر بن أبي طالب مهاجرين إلى بلاد الحبشة، فأُهديت لجعفر جارية قيمتها أربعة آلاف درهم، فلما قدمنا المدينة أهداها لعلي (ع) تخدمه، فجعلها عليّ في منزل فاطمة، فدخلت فاطمة عليها السلام يوماً فنظرت إلى رأس عليّ عليه السلام في حجر الجارية، فقالت: يا أبا الحسن! فعلتها؟ فقال: والله يا بنت محمد ما فعلت شيئاً، فما الذي تريدين؟ قالت: تأذن لي في المسير إلى منزل أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لها: قد أذنت لك، فتجلببت بجلبابِها، وأرادت النبي صلى الله عليه وسلم .



الجواب عن الرواية:

هذه الرواية موجودة في كتاب علل الشرائع، وعنه المجلسي في البحار، ولكنها رواية سنية بامتياز، لأن في سندها أكثر من حافظ من حُفّاظ أهل السنة، الذين يوثِّقونَهم ويعدُّونَهم أئمة عندهم، وهم غير موثقين ولا مأمونين عند الشيعة.. فالرواية ضعيفة عند الشيعة لا يمكن الاحتجاج بِها عليهم، وهي - بالرغم من وجودها في كتب الشيعة - إلا أنَّها سُنِّية..



الرواية الثانية:

رواية الشيخ الصدوق في علل الشرائع أيضاً:

عن الإمام الصادق عليه السلام أنه سئل: هل تشيع الجنازة بنار ويمشى معها بمجمرة أو قنديل أو غير ذلك مما يضاء به؟ قال: فتغير لون أبي عبد الله (ع) من ذلك واستوى جالساً، ثم قال: إنه جاء شقي من الأشقياء إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: أما علمت علياً قد خطب بنت أبي جهل، فقالت: حقاً ما تقول؟ فقال: حقاً ما أقول ثلاث مرات، فدخلها من الغيرة ما لا تملك نفسها، وذلك أن الله تبارك تعالى كتب على النساء غيرة، وكتب على الرجال جهاداً، وجعل للمحتسبة الصابرة منهن من الأجر ما جعل للمرابط المهاجر في سبيل الله . قال: فاشتد غم فاطمة من ذلك، وبقيت متفكرة حتى أمست وجاء الليل حملت الحسن على عاتقها الأيمن والحسين على عاتقها الأيسر وأخذت بيد أم كلثوم اليسرى بيدها اليمنى، ثم تحولت إلى حجرة أبيها فجاء عليّ فدخل حجرته فلم ير فاطمة، فاشتد لذلك غمه وعظُم عليه، ولم يعلم القصة ما هي، فاستحيى أن يدعوها من منزل أبيها، فخرج إلى المسجد يصلي فيه ما شاء الله، ثم جمع شيئاً من كثيب المسجد واتكأ عليه، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما بفاطمة من الحزن، أفاض عليها الماء ثم لبس ثوبه ودخل المسجد، فلم يزل يصلي بين راكع وساجد، وكلما صلى ركعتين دعا الله أن يذهب ما بفاطمة من الحزن والغم، وذلك أنه خرج من عندها وهي تتقلب وتتنفس الصعداء، فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا يهنيها النوم وليس لها قرار قال لها: قومي يا بُنية فقامت، فحمل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن، وحملت فاطمة الحسين، وأخذت بيد أم كلثوم، فانتهى إلى علي (ع) وهو نائم، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم رجله على عليّ فغمزه وقال: قم أبا تراب، فكم ساكن أزعجته، ادعُ لي أبا بكر من داره، وعمر من مجلسه، وطلحة، فخرج عليّ فاستخرجهما من منازلهما، واجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه . فقال رسول الله عليه وسلم: يا علـيّ! أما علمت أن فاطمة بضعة مني أنا منها، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذاها بعد موتي كان كمن آذاها في حياتي، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي.



الجواب عن الرواية:

سند هذه الرواية هو كالتالي: حدثنا علي بن أحمد، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن يحيى، عن عمرو بن أبي المقدام، وزياد بن عبد الله، قالا: أتى رجل أبا عبد الله (ع) فقال له يرحمك الله هل تشيع الجنازة بنار... الخ الرواية.



نقد الرواية:

(1) على بن أحمد هو: علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق. روى عنه الصدوق في كتبه. ولكنه لم يرد في حقه توثيق.

(2) أبو العباس هو: أحمد بن محمد بن يحيى بن زكريا القطان . يروي عنه الصدوق رحمه الله في عدة موارد بوساطة الدقاق. وهو كسابقه، لم يرد في حقه توثيق.

(3) عمرو بن أبي المقدام هو: عمرو بن ثابت، وكنية ثابت: أبو المقدام. وهو ثقة عند السيد الخوئي، ويظهر لي عدالته من خلال تتبع العديد من رواياته في كتبنا . ويروي عن الإمام الصادق بواسطة وبدون واسطة، وعن الباقر عليه السلام بواسطة..

وبين القطان وابن أبي المقدام انقطاع واضح؛ وينبغي أن يُوصَل بينهما بأربعة وسائط، أو ثلاثة، وهو ما يتَّضح من خلال متابعة روايات كل منهما، حيث تتحدَّد بذلك طبقة كل منهما، ويتضح البون الشاسع.

وبناء عليه: الرواية إسنادُها منقطع، شديد الضعف لكون الساقط من الإسناد ثلاثة أو أربعة وسائط، إضافة إلى أن بعض رجال السند يفتقرون إلى التوثيق.

ثم إننا نحتمل أن المحذوف قد يكون وسائط سنية، ويتَّجه الاحتمال حين نراجع ترجمة عمرو بن أبي مقدام في تَهذيب الكمال للحافظ المزي (السني) ، فإننا نجد بين من روى عنه بعضَ حفاظ أهل السنة وثقاتَهم.

وبناء عليه: مضافاً إلى ضعف الرواية بالإهمال والانقطاع، نحتمل أن يكون مصدرها سنياً.

فلا تصلح للاحتجاج على الشيعة بحال.

هذا من جهة السند.. ثم إن المتن فيه ما فيه، مما يقوي احتمال أن يكون في هُوَّة الانقطاع سنيٌّ، ويفتح مجال تضعيف الرواية من جهة المتن أيضاً.

ثمَّ إنَّ ثبوت فضل الزهراء وعليٍّ عليهما السلام، بل عصمتهما صلوات الله عليهما، هو من الضروريات عند شيعة أهل البيت عليهم السلام، فكيف يمكن أن يُعارَضَ الضروريُّ بمضمون آحاديٍّ تكتنفه الإشكالياتُ سنداً ومتناً؟!



الرواية الثالثة:

رواية الأمالي للشيخ الطوسي:

إن فاطمة رضي الله عنها لما طالبت فدك من أبي بكر، امتنع أبو بكر أن يعطيها إيّاها، فرجعت فاطمة عليها السلام وقد جرعها من الغيظ ما لم يوصف ومرضت، وغضبت على عليٍّ لامتناعه عن مناصرته ومساعدته إيّاها، وقالت: يا ابن أبي طالب! اشتملت مشيمة الجنين، وقعدت حُجرة الظنين، بعد ما أهلكت شُجعان الدهر وقاتلتهم، والآن غلبت من هؤلاء... فهذا هو ابن أبي قحافة يأخذ مني فدك التي وهبها لي أبي جبراً وظلماً، ويخاصمني ويحاججني، ولا ينصرني أحد فليس لي ناصر ولا معين، وليس لي شافع ولا وكيل، فذهبت غاضبة ورجعت حزينة، أذللت نفسي، تأتي الذئاب وتذهب، ولا تتحرك، يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً، إنما أشكو إلى أبي وأختصم إلى ربي.



الجواب عن الرواية:

1 – محل الاستشكال - وهو كلام الزهراء ولومها لأمير المؤمنين عليه السلام - ليس متفقاً عليه في جميع الروايات التي نقلت لنا خطبة الزهراء عليها السلام؛ ولذا يتَّجه تعبير الشيخ التستري في قاموس الرجال 12 : 322 ، حيث قال – تمهيداً لذكر كلام الزهراء مع الأمير سلام الله عليهما - : "وزاد بعضهم في خطبتها الأولى…".

2 – رواية الاحتجاج مُرسلةٌ، ورواية الأمالي لشيخ الطائفة ضعيفة (مهملة) لمكان محمد بن علي بن معمر الكوفي، فإنه لم يوثَّق. هذا بعد التعديل لألفاظ السند؛ لأنَّ السند فيه بعض التصحيف الذي ليس هذا محل بيانه.

3 – على فرض ثبوت هذا الكلام عن الزهراء سلام الله عليها، فإنه محمول على المبالغة في الإنكار على ما انتهت إليه الأمور من ظلم الظالمين، وقلة الناصر لأمير المؤمنين، وليس المقصود توجيه اللوم إلى الأمير سلام الله عليه نفسه، بل الخطاب متوجه إليه، والمراد هو إبراز نكارة صنيع خصوم علي عليه السلام.. وهذا هو الفهم الصحيح للمتن على فرض ثبوت صحته، وهو ما فهمه علماء الشيعة..

فقد قال السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة 1 : 318 :

"وهذا اللوم والتأنيب من الزهراء لأمير المؤمنين عليهما السلام، لا ينافي عصمته وعصمتها وعلو مقامهما، فما هو إلا مبالغة في إنكار المنكَر، وإظهار لما لحقها من شدة الغيظ، كما فعل موسى عليه السلام لما رجع إلى قومه غضبان أسفاً، وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه وشريكه في الرسالة يجره إليه". انتهى

وقال العلامة المجلسي في بحارالأنوار 29 : 324 :

"يمكن أن يجاب عنه بأنّ هذه الكلمات صدرت منها عليها السلام لبعض المصالح، ولم تكن واقعاً منكرة لما فعله، بل كانت راضية، وإنّما كان غرضها أن يتبيّن للناس قبح أعمالهم وشناعة أفعالهم، وأنّ سكوته عليه السلام ليس لرضاه بما أتوا به. ومثل هذا كثيراً ما يقع في العادات والمحاورات، كما أنّ ملكاً يعاتب بعض خواصّه في أمر بعض الرعايا، مع علمه ببراءته من جنايتهم، ليظهر لهم عظم جرمهم، وأنّه ممّا استوجب به أخصّ الناس بالملك منه المعاتبة. ونظير ذلك ما فعله موسى عليه السلام لَمّا رجع إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً، من إلقائه الألواح، وأخذه برأس أخيه يجرّه إليه، ولم يكن غرضه الإنكار على هارون، بل أراد بذلك أن يعرّف القوم عظم جنايتهم، وشدّة جُرمهم…". انتهى

فالحاصل أن الغضب كان متحققاً، ولكن المغضوب عليه لم يكن الإمام علي سلام الله عليه، بل المغضوب عليهم كانوا أناساً آخرين، وأمّا علي فكان الْمُخاطب.. واللهجة الشديدة كان الغرض منها إبراز شدة الغيض على أولئك، وليس على الإمام علي عليه السلام. هذا إن صح أن الزهراء سلام الله عليها قالت شيئاً من هذا لعلي عليه السلام.



فتلخص مما ذكر أعلاه ما يلي:

1 - أن مجرد وجود الرواية في كتبنا ليس يعني بالضرورة أنَّها تصلح للاحتجاج علينا؛ لأن بعضها قد يكون مما أسند علماء أهل السنة.

2 - أن بعض ما في كتبنا، هو محل تأمل ودراسة؛ وقد لا يُقبل على تفاصيله، وذلك في ضوء دراسة السند والمتن معاً.

3 - أن غضب الزهراء في بعض الحوادث ثابت بلا ريب، ولكن القدر المتيقن والمتفق عليه بين جميع أهل الإسلام، هو أنَّها غضبت على أبي بكر وعمر ومن تابعهما، وأما غضبها على أمير المؤمنين فهو:

أولاً: لم ينقل بسند صحيح في كتب الشيعة، بحيث يمكن الاحتجاج به عليهم.

ثانياً: ذلك يتعارض مع الثابت بالقطع عندهم، من عصمة الزهراء وشريف منزلتها عند الله تعالى، وكمال معرفتها لمقام أمير المؤمنين عليه السلام.. فهذا من ضروريات المذهب عند الشيعة الإمامية، ومع ذلك: لا يصلح التمسك بالظنون والاحتمالات لضرب الثابت بالقطع والضرورة.

4 – أنَّ خصوم الشيعة لا جواب عندهم عن غضب الزهراء - سلام الله عليها - على أبي بكر؟ وقد ثبت في كتب السنة والشيعة جميعاً، ولا يرتاب فيه إلاَّ غير مُطَّلِع، أو مُكابر متنطِّع..

فإن قلتُم: لم تغضب عليه، أتيناكم بالدليل من كتبهم.

وإن قلتُم: كان غضبُها على غير حقٍّ، قلنا لكم: غضب الله لغضبها دليل على عصمتها في رضاها وغضبها.

وإن قلتم: المقصود بغضب الله في غضبها: خصوص غضبها في حياة النبي، أو أي حالة خاصة (زمانية أو مكانية أو حالية) وليس على إطلاقه. قلنا لكم: هذا تخصيص بغير مخصص، ورجم بالغيب، ولا تقفُ ما ليس لك به علم.

فثبت ما نقول، وبطل مذهبكم، وسقط رمزكم الكبير، وتَهاوى تمثالُ الخلافة والرُشد بغير دليل..

والحمد لله رب العالمين.


اضاف حفيد القدس:

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد

هل غضبت الزهراء على أمير المؤمنين عليهما السلام؟


قال النبي الأكرم - صلى الله عليه وآله - لابنته الزهراء سلام الله عليها: "إن الله يرضى لرضاك، وبغضب لغضبك".

رواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" 5 : 363 برقم 2959 ، وأبو يعلى الموصلي في "معجمه" برقم 216 ، والطبراني في "المعجم الكبير" 1 : 108 و 22 : 401 ، والحاكم في "المستدرك على الصحيحين" 3 : 153 – 154 ، وأبو نعيم الأصفهاني في "فضائل الخلفاء الراشدين" برقم 141 ، وابن عساكر في "تاريخ مدينة دمشق" 3 : 156 ، وابن الأثير الجزري في "أُسْد الغابة" 5 : 522 ... وغيرهم.

وحسنه الحافظ السيوطي في "الثغور الباسمة في مناقب فاطمة" (ص30) ، والحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9 : 203 ، والحافظ المناوي في "إتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب" ص65 ، والصالحي الشامي في "سبُل الهدى والرشاد" 11 : 44 ، والشيخ محمد بن علي الصبان في "إسعاف الراغبين" المطبوع بِهامش كتاب "نور الأبصار" ص187 ، وصححه الحاكم في المستدرك 3 : 153 – 154 .

ونظراً إلى التهديد الذي تمثله هذه الرواية على الفكر التقديسي لأبي بكر نظراً إلى ثبوت أنه أغضب فاطمة الزهراء، فقد كانت لبعض شيعة أبي بكر محاولتان مشبوهتان:

المحاولة الأولى: إنكار وجود الحديث في كتب الحديث المعروفة، أو كونه مسنداً بسند صحيح أو حسن.. وهي المحاولة التي لم يكن ليتصدى لها غير ابن تيمية ومن شاكله.. فقد قال ابن تيمية في منهاج سنته: "ما رووا هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُعرف هذا في شيء من كتب الحديث المعروفة، ولا له إسنادٌ معروف عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا صحيح ولا حسن" !! وما عشت أراك الدهرُ عجباً.

المحاولة الثانية: محاولة الهروب إلى الأمام، وذلك بذرِّ الرماد في أعين البسطاء، وذلك بتحويل النقاش صوب طرح الإشكال، بدلاً من التفكير في إنقاذ كرامة أبي بكر.. وذلك بذكر روايات في كتب الشيعة تُدّعى دلالتُها على أن الزهراء غضبت على أمير المؤمنين علي عليه السلام..! وهذه المحاولة لم يتفطن لها إلاَّ وهابية هذا العصر.. و هذا الموضوع هو لمناقشة ثلاث روايات نقلوها من كتب الشيعة بصدد تحقيق هذه المحاولة الثانية.. وإليكم الروايات مع نقدها والإجابة عنها:



الرواية الأولى:

رواية علل الشرائع للشيخ الصدوق:

كنت أنا وجعفر بن أبي طالب مهاجرين إلى بلاد الحبشة، فأُهديت لجعفر جارية قيمتها أربعة آلاف درهم، فلما قدمنا المدينة أهداها لعلي (ع) تخدمه، فجعلها عليّ في منزل فاطمة، فدخلت فاطمة عليها السلام يوماً فنظرت إلى رأس عليّ عليه السلام في حجر الجارية، فقالت: يا أبا الحسن! فعلتها؟ فقال: والله يا بنت محمد ما فعلت شيئاً، فما الذي تريدين؟ قالت: تأذن لي في المسير إلى منزل أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال لها: قد أذنت لك، فتجلببت بجلبابِها، وأرادت النبي صلى الله عليه وسلم .



الجواب عن الرواية:

هذه الرواية موجودة في كتاب علل الشرائع، وعنه المجلسي في البحار، ولكنها رواية سنية بامتياز، لأن في سندها أكثر من حافظ من حُفّاظ أهل السنة، الذين يوثِّقونَهم ويعدُّونَهم أئمة عندهم، وهم غير موثقين ولا مأمونين عند الشيعة.. فالرواية ضعيفة عند الشيعة لا يمكن الاحتجاج بِها عليهم، وهي - بالرغم من وجودها في كتب الشيعة - إلا أنَّها سُنِّية..



الرواية الثانية:

رواية الشيخ الصدوق في علل الشرائع أيضاً:

عن الإمام الصادق عليه السلام أنه سئل: هل تشيع الجنازة بنار ويمشى معها بمجمرة أو قنديل أو غير ذلك مما يضاء به؟ قال: فتغير لون أبي عبد الله (ع) من ذلك واستوى جالساً، ثم قال: إنه جاء شقي من الأشقياء إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: أما علمت علياً قد خطب بنت أبي جهل، فقالت: حقاً ما تقول؟ فقال: حقاً ما أقول ثلاث مرات، فدخلها من الغيرة ما لا تملك نفسها، وذلك أن الله تبارك تعالى كتب على النساء غيرة، وكتب على الرجال جهاداً، وجعل للمحتسبة الصابرة منهن من الأجر ما جعل للمرابط المهاجر في سبيل الله . قال: فاشتد غم فاطمة من ذلك، وبقيت متفكرة حتى أمست وجاء الليل حملت الحسن على عاتقها الأيمن والحسين على عاتقها الأيسر وأخذت بيد أم كلثوم اليسرى بيدها اليمنى، ثم تحولت إلى حجرة أبيها فجاء عليّ فدخل حجرته فلم ير فاطمة، فاشتد لذلك غمه وعظُم عليه، ولم يعلم القصة ما هي، فاستحيى أن يدعوها من منزل أبيها، فخرج إلى المسجد يصلي فيه ما شاء الله، ثم جمع شيئاً من كثيب المسجد واتكأ عليه، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما بفاطمة من الحزن، أفاض عليها الماء ثم لبس ثوبه ودخل المسجد، فلم يزل يصلي بين راكع وساجد، وكلما صلى ركعتين دعا الله أن يذهب ما بفاطمة من الحزن والغم، وذلك أنه خرج من عندها وهي تتقلب وتتنفس الصعداء، فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا يهنيها النوم وليس لها قرار قال لها: قومي يا بُنية فقامت، فحمل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن، وحملت فاطمة الحسين، وأخذت بيد أم كلثوم، فانتهى إلى علي (ع) وهو نائم، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم رجله على عليّ فغمزه وقال: قم أبا تراب، فكم ساكن أزعجته، ادعُ لي أبا بكر من داره، وعمر من مجلسه، وطلحة، فخرج عليّ فاستخرجهما من منازلهما، واجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه . فقال رسول الله عليه وسلم: يا علـيّ! أما علمت أن فاطمة بضعة مني أنا منها، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذاها بعد موتي كان كمن آذاها في حياتي، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي.



الجواب عن الرواية:

سند هذه الرواية هو كالتالي: حدثنا علي بن أحمد، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن يحيى، عن عمرو بن أبي المقدام، وزياد بن عبد الله، قالا: أتى رجل أبا عبد الله (ع) فقال له يرحمك الله هل تشيع الجنازة بنار... الخ الرواية.



نقد الرواية:

(1) على بن أحمد هو: علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق. روى عنه الصدوق في كتبه. ولكنه لم يرد في حقه توثيق.

(2) أبو العباس هو: أحمد بن محمد بن يحيى بن زكريا القطان . يروي عنه الصدوق رحمه الله في عدة موارد بوساطة الدقاق. وهو كسابقه، لم يرد في حقه توثيق.

(3) عمرو بن أبي المقدام هو: عمرو بن ثابت، وكنية ثابت: أبو المقدام. وهو ثقة عند السيد الخوئي، ويظهر لي عدالته من خلال تتبع العديد من رواياته في كتبنا . ويروي عن الإمام الصادق بواسطة وبدون واسطة، وعن الباقر عليه السلام بواسطة..

وبين القطان وابن أبي المقدام انقطاع واضح؛ وينبغي أن يُوصَل بينهما بأربعة وسائط، أو ثلاثة، وهو ما يتَّضح من خلال متابعة روايات كل منهما، حيث تتحدَّد بذلك طبقة كل منهما، ويتضح البون الشاسع.

وبناء عليه: الرواية إسنادُها منقطع، شديد الضعف لكون الساقط من الإسناد ثلاثة أو أربعة وسائط، إضافة إلى أن بعض رجال السند يفتقرون إلى التوثيق.

ثم إننا نحتمل أن المحذوف قد يكون وسائط سنية، ويتَّجه الاحتمال حين نراجع ترجمة عمرو بن أبي مقدام في تَهذيب الكمال للحافظ المزي (السني) ، فإننا نجد بين من روى عنه بعضَ حفاظ أهل السنة وثقاتَهم.

وبناء عليه: مضافاً إلى ضعف الرواية بالإهمال والانقطاع، نحتمل أن يكون مصدرها سنياً.

فلا تصلح للاحتجاج على الشيعة بحال.

هذا من جهة السند.. ثم إن المتن فيه ما فيه، مما يقوي احتمال أن يكون في هُوَّة الانقطاع سنيٌّ، ويفتح مجال تضعيف الرواية من جهة المتن أيضاً.

ثمَّ إنَّ ثبوت فضل الزهراء وعليٍّ عليهما السلام، بل عصمتهما صلوات الله عليهما، هو من الضروريات عند شيعة أهل البيت عليهم السلام، فكيف يمكن أن يُعارَضَ الضروريُّ بمضمون آحاديٍّ تكتنفه الإشكالياتُ سنداً ومتناً؟!



الرواية الثالثة:

رواية الأمالي للشيخ الطوسي:

إن فاطمة رضي الله عنها لما طالبت فدك من أبي بكر، امتنع أبو بكر أن يعطيها إيّاها، فرجعت فاطمة عليها السلام وقد جرعها من الغيظ ما لم يوصف ومرضت، وغضبت على عليٍّ لامتناعه عن مناصرته ومساعدته إيّاها، وقالت: يا ابن أبي طالب! اشتملت مشيمة الجنين، وقعدت حُجرة الظنين، بعد ما أهلكت شُجعان الدهر وقاتلتهم، والآن غلبت من هؤلاء... فهذا هو ابن أبي قحافة يأخذ مني فدك التي وهبها لي أبي جبراً وظلماً، ويخاصمني ويحاججني، ولا ينصرني أحد فليس لي ناصر ولا معين، وليس لي شافع ولا وكيل، فذهبت غاضبة ورجعت حزينة، أذللت نفسي، تأتي الذئاب وتذهب، ولا تتحرك، يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسياً منسياً، إنما أشكو إلى أبي وأختصم إلى ربي.



الجواب عن الرواية:

1 – محل الاستشكال - وهو كلام الزهراء ولومها لأمير المؤمنين عليه السلام - ليس متفقاً عليه في جميع الروايات التي نقلت لنا خطبة الزهراء عليها السلام؛ ولذا يتَّجه تعبير الشيخ التستري في قاموس الرجال 12 : 322 ، حيث قال – تمهيداً لذكر كلام الزهراء مع الأمير سلام الله عليهما - : "وزاد بعضهم في خطبتها الأولى…".

2 – رواية الاحتجاج مُرسلةٌ، ورواية الأمالي لشيخ الطائفة ضعيفة (مهملة) لمكان محمد بن علي بن معمر الكوفي، فإنه لم يوثَّق. هذا بعد التعديل لألفاظ السند؛ لأنَّ السند فيه بعض التصحيف الذي ليس هذا محل بيانه.

3 – على فرض ثبوت هذا الكلام عن الزهراء سلام الله عليها، فإنه محمول على المبالغة في الإنكار على ما انتهت إليه الأمور من ظلم الظالمين، وقلة الناصر لأمير المؤمنين، وليس المقصود توجيه اللوم إلى الأمير سلام الله عليه نفسه، بل الخطاب متوجه إليه، والمراد هو إبراز نكارة صنيع خصوم علي عليه السلام.. وهذا هو الفهم الصحيح للمتن على فرض ثبوت صحته، وهو ما فهمه علماء الشيعة..

فقد قال السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة 1 : 318 :

"وهذا اللوم والتأنيب من الزهراء لأمير المؤمنين عليهما السلام، لا ينافي عصمته وعصمتها وعلو مقامهما، فما هو إلا مبالغة في إنكار المنكَر، وإظهار لما لحقها من شدة الغيظ، كما فعل موسى عليه السلام لما رجع إلى قومه غضبان أسفاً، وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه وشريكه في الرسالة يجره إليه". انتهى

وقال العلامة المجلسي في بحارالأنوار 29 : 324 :

"يمكن أن يجاب عنه بأنّ هذه الكلمات صدرت منها عليها السلام لبعض المصالح، ولم تكن واقعاً منكرة لما فعله، بل كانت راضية، وإنّما كان غرضها أن يتبيّن للناس قبح أعمالهم وشناعة أفعالهم، وأنّ سكوته عليه السلام ليس لرضاه بما أتوا به. ومثل هذا كثيراً ما يقع في العادات والمحاورات، كما أنّ ملكاً يعاتب بعض خواصّه في أمر بعض الرعايا، مع علمه ببراءته من جنايتهم، ليظهر لهم عظم جرمهم، وأنّه ممّا استوجب به أخصّ الناس بالملك منه المعاتبة. ونظير ذلك ما فعله موسى عليه السلام لَمّا رجع إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً، من إلقائه الألواح، وأخذه برأس أخيه يجرّه إليه، ولم يكن غرضه الإنكار على هارون، بل أراد بذلك أن يعرّف القوم عظم جنايتهم، وشدّة جُرمهم…". انتهى

فالحاصل أن الغضب كان متحققاً، ولكن المغضوب عليه لم يكن الإمام علي سلام الله عليه، بل المغضوب عليهم كانوا أناساً آخرين، وأمّا علي فكان الْمُخاطب.. واللهجة الشديدة كان الغرض منها إبراز شدة الغيض على أولئك، وليس على الإمام علي عليه السلام. هذا إن صح أن الزهراء سلام الله عليها قالت شيئاً من هذا لعلي عليه السلام.



فتلخص مما ذكر أعلاه ما يلي:

1 - أن مجرد وجود الرواية في كتبنا ليس يعني بالضرورة أنَّها تصلح للاحتجاج علينا؛ لأن بعضها قد يكون مما أسند علماء أهل السنة.

2 - أن بعض ما في كتبنا، هو محل تأمل ودراسة؛ وقد لا يُقبل على تفاصيله، وذلك في ضوء دراسة السند والمتن معاً.

3 - أن غضب الزهراء في بعض الحوادث ثابت بلا ريب، ولكن القدر المتيقن والمتفق عليه بين جميع أهل الإسلام، هو أنَّها غضبت على أبي بكر وعمر ومن تابعهما، وأما غضبها على أمير المؤمنين فهو:

أولاً: لم ينقل بسند صحيح في كتب الشيعة، بحيث يمكن الاحتجاج به عليهم.

ثانياً: ذلك يتعارض مع الثابت بالقطع عندهم، من عصمة الزهراء وشريف منزلتها عند الله تعالى، وكمال معرفتها لمقام أمير المؤمنين عليه السلام.. فهذا من ضروريات المذهب عند الشيعة الإمامية، ومع ذلك: لا يصلح التمسك بالظنون والاحتمالات لضرب الثابت بالقطع والضرورة.

4 – أنَّ خصوم الشيعة لا جواب عندهم عن غضب الزهراء - سلام الله عليها - على أبي بكر؟ وقد ثبت في كتب السنة والشيعة جميعاً، ولا يرتاب فيه إلاَّ غير مُطَّلِع، أو مُكابر متنطِّع..

فإن قلتُم: لم تغضب عليه، أتيناكم بالدليل من كتبهم.

وإن قلتُم: كان غضبُها على غير حقٍّ، قلنا لكم: غضب الله لغضبها دليل على عصمتها في رضاها وغضبها.

وإن قلتم: المقصود بغضب الله في غضبها: خصوص غضبها في حياة النبي، أو أي حالة خاصة (زمانية أو مكانية أو حالية) وليس على إطلاقه. قلنا لكم: هذا تخصيص بغير مخصص، ورجم بالغيب، ولا تقفُ ما ليس لك به علم.

فثبت ما نقول، وبطل مذهبكم، وسقط رمزكم الكبير، وتَهاوى تمثالُ الخلافة والرُشد بغير دليل..

والحمد لله رب العالمين.

Admin
المدير
المدير

ذكر المساهمات : 1043
تاريخ التسجيل : 03/08/2017

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://azkar101.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى