دور العقل والقلب

اذهب الى الأسفل

دور العقل والقلب

مُساهمة من طرف Admin في 13/8/2018, 22:33

الأصل والسبب لنشـوء المغـالطـات فـي عـلم التصوف
3- الحلقة الثالثة: الفرق بين دور العقل ودور القلب
بقلم الفقير لله تعالى: أحمد يوسف نده
طرطوس- الشيخ بدر: 15-11-2016م
................................................................
ما هو العــقـــل؟... وما هو القــلــــب؟.. وما وظيفة كل منهما؟
.
- إنه من الواضح والمسلَّم به أن للعقل الإنساني حدوداً يصل إليها.. فنحن لا نأخذ بقول المعتزلة الذين قالوا بإطلاقية العقل البشري وتمكُّنه من الوصول لأي حكم كان ولأي معرفة كانت.. بل هناك حدود يقف عندها العقل البشري..
فمثلاً التأمل العقلي لوحده لا يمكنه معرفة علل بعض الظواهر الطبيعية.. ولكنه بالاستعانة بالحس والتجربة والأدوات وأجهزة القياس.. يمكنه التحليل والتفكير للوصول إلى الإجابة والقانون العلمي..
فالعقل: هو (موجود مجرد) زوِّد بقوانين أصلية ومبادئ فكرية عقلية خالصة تمكِّنه من التعميم والتجريد والحكم والإثبات والبرهان والتصديق والتحليل والتركيب والفهم والتدبر..
.
هذا في عالم الطبيعة.. وبما أن الطبيعة أمر محسوس والتجربة شيء مشاهد.. لذلك فإنك تجد أغلب العلماء متفقون على القوانين العلمية المثبتة رياضياً وتجريبياً..
.
أما في عالم الغيب.. فإن العقل يقف متحيراً.. ومهما تأمَّل فإنه لا يمكنه الوصول إلى اليقين في أي نظرية يملكها.. إلا في ثلاث أمور يمكن للعقل السليم أن يثبتها.. وهي أن هناك خالقاً خلق الكون.. وأن هناك معاداً.. وأن الإنسان بحاجة للنبوة كي تكون هي الواسطة بينه وبين الخالق.. وهذه الأمور الثلاثة هي أصول الدين والشريعة التي يمكن للعقل إقامة البرهان القطعي عليها..
.
ولكن العقل بمفرده عاجز عن معرفة الصفات والأسماء الإلهية.. أو معرفة الحكمة من الأفعال الربانية.. أو معرفة الأوامر والعبادات.. أو معرفة خصائص الآخرة.. لذلك فإنك تجد أغلب الفلاسفة غير متفقين على أفكارهم.. فهذه المدرسة الفلسفية تخطئ تلك.. وهذا الفيلسوف يهزأ بذاك.. وهذا التلميذ لا يوافق أستاذه.. وهكذا..
.
فهناك أمور غيبية لا يستطيع الإنسان بالتأمل العقلي والعبادة والتمسك بالقلب أو أو.. الوصول إليها.. لذلك فإنه يقر بالحاجة إلى النبوة.. وهنا يأتي دور النص الديني والوحي الإلهي ليخبر الإنسان عن تلك الجزئيات الغيبية ويجيبه عن تلك الأسئلة التي عجز عنها.. وهنا يأتي الدور الثاني للعقل.. ألا وهو الفهم..
.
فالعقل له ثلاث وظائف وأدوار وهي:
.
1- الدور الأول: الاعتماد على النفس في اكتشاف الحقيقة وقد ثبتت محدودية هذا الدور العقلي..
.
2- الدور الثاني: الفهم والتعقل لما ورد عليه من معلومات إلهية ونصوص دينية.. وهذا الدور لا حدَّ له.. فكلما ورد عليه معلومات وكان العقل ناضجاً فإنه سيفهم ما يرد عليه ويرتقي في التعمّق بالنص الديني والغوص في معانيه وأسراره..
.
3- والدور الثالث: هو إقامة الدليل والبرهان على تلك الحقائق التي جاء بها أهل العصمة.. وهذا أيضاً لا حد له... فكل حقيقة يمكن إقامة الدليل عليها... والأدلة تختلف.. فمنها أدلة نقلية ومنها أدلة عقلية ومنها أدلة طبيعية... والعقل هو الذي يقدم الدليل والاستدلال والاستنباط والبرهان والاستقراء والمقارنة..
.
ولكن يظهر لدينا هنا سؤال هام: (ما هي القنوات والمنافذ التي توصل للعقل المعلومات؟).. أي بالاصطلاح الحديث المعلوماتي: (ماهي أدوات الإدخال التي توصل البيانات للمعالج؟)..
.
الجواب: هناك أدوات للإدراك عند الإنسان وأهمها:
.
1- (السمع): فالخبر والحديث والوحي والكلام والنطق والشعر والنص والرواية والمعلومة.. تصل للإنسان على شكل موجات صوتية تستقبلها الأذن (أداة إدخال ومستقبل).. والذي يفك ترجمتها وشيفرتها هو العقل فيفهم تلك المعلومة..
.
2- (البصر): فكل الأشياء الموجودة في عالم الشهادة من موجودات وأنوار وحوادث وظواهر وأفعال وحركات وأجسام وأجرام.. تصدر عنها أشعة ضوئية كهرومغناطيسية أو تنعكس عليها تلك الأشعة لتصل إلى العين (أداة إدخال ومستقبل).. ثم إلى الدماغ.. والذي يفك شيفرتها ويفهمها ويعقلها هو العقل..
.
3- (الفؤاد أو القلب): ما وظيفة هذا العضو؟؟!! نحن نعرف أن وظيفة القلب هي ضخ الدم إلى سائر الجسم!!! فما علاقته بالإدراك؟؟
الجواب: كما أن (الدماغ) هو ظاهر العقل ومظهره وآلته.. الذي يستقبل السيالات العصبية ويحللها كيميائياً.. إلا أن له باطن مجرد وحقيقة غيبية هي العقل.. وهو الحقيقة التي يكون فعلها هو التعقل والفهم.. كذلك فإن القلب الذي يضخ هذا الدم وينبض بالحياة هو ظاهر لحقيقة باطنة مجردة هي الفؤاد التي تشعر وتتذوق وتحب وتكره وتنجذب وتؤمن وتجحد وتتصل بعالم الملكوت..
.
سؤال: إذاً ما هي وظيفة هذا القلب أو الفؤاد؟
الجواب: القلب هو (أداة دخل ومستقبل) أي قناة معرفية تنتقل عبرها المعلومات.. وليس هو جهاز تعقل وفهم.. بل العقل هو الذي يفهم ما يصل إليه من القلب أو الفؤاد..
.
سؤال: إذا كان القلب أداة لنقل المعلومات.. فما هي هذه المعلومات التي ينقلها القلب؟
الجواب: من المعلوم عند الجميع أن هناك عالمين: عالم الشهادة وعالم الغيب.. وفي كل عالم توجد موجودات إما مادية أو مجردة.. ولقد قلنا أن العين والأذن هما الأداتان التي تنقل لنا الصوت والضوء إلى العقل.. وهما اللتان تُطلعان العقل على ظاهر الحياة الدنيا.. وكذا سائر الحواس الظاهرية..
.
أما (وظيفة القلب): فهو مجمع الحواس الباطنية والشعورية التي تدرك المعاني الجزئية كالحب والبغض والكره والحزن والقلق والخوف والإيمان والجحود..
.
بالإضافة إلى أنه ينقل الحقائق الموجودة في عالم الغيب إلى العقل.. فهو الذي يُطلع الإنسان على (باطن الدنيا).. وهو الباب الموجود في باطن الإنسان والمفتوح على عالم الغيب والملكوت.. وهو الأداة التي تنقل لك الحضور الإلهي والمراقبة الإلهية في أفعالك وأعمالك..
فالقلب يطلعك على باطن الأفعال والمعاصي والطاعات في الدنيا.. لذلك قال تعالى ((يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون)).. فما تراه هو ظاهر الحياة الدنيا.. أما باطنها فلا تراه العين ولا تسمعه الأذن.. بل يراه القلب.. لذلك تسمى رؤية القلب بالبصيرة.. في قبال رؤية العين التي هي الباصرة..
.
ومثل ذلك قوله تعالى: ((إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلماً إنَّما يأكلون في بطونهم ناراً وسَيَصْلون سعيراً)).. فالأكل جاء بالمضارع ((يأكلون)) ولم يقل سيأكلون.. أي الآن هو يأكل النار ولكنه لغفلته عن الآخرة لا يشعر بها.. فيستلذ بأكل مال اليتيم.. ولكن القلب هو الذي يطلعك على أن ما تأكله نار.. أما دخول السعير فجاء بلسان المستقبل ((سَيَصْلون)) ولم يقل يصلون..
.
سؤال: لماذا لا يشعر الإنسان بهذه النار التي يأكلها؟ ولماذا لم يخبره القلب بتلك النار؟
وللجواب على هذا السؤال نضرب مثالاً: عندما تُجرح وأنت تلعب لعبة رياضية.. حيث يكون الدم حامياً والإنسان مشغولاً بالفوز والخسارة.. فإنه لا يلتفت إلى جرحه وألمه.. ولكن بعد اللعبة وعندما يبرد الدم ويزول الانشغال.. يلتفت الإنسان إلى ألمه وجرحه.. وهو ما يحصل مع أغلبية الناس..
كذلك أنت لا تشعر بآثار المعاصي والطاعات لأنك منشغل بالدنيا وهمومها.. منصرف إليها ومتوجه لها.. فيكون القلب مشوشاً ومضطرباً ومشوباً ومتعلقاً بعلائق الدنيا ومشاغلها وهمومها وملذاتها وشهواتها.. ولو تفرَّغ الإنسان للتأمل بالعالم الروحي وانفتح قلبه على الغيب لرأى تلك الآثار وشعر بها..
.
الخلاصة: القلب كالعين والأذن.. هو قناة ناقلة لإيصال المعلومات من عالم الغيب والملكوت إلى العقل الإنساني ليفهم ويتدبر ويعقل..
أما الأدلة العقلية والنقلية التي تثبت كلامنا فسنؤجلها إلى غد وإلى حلقة جديدة منعاً للإطالة... دمتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
..................................................

Admin
المدير
المدير

ذكر المساهمات : 1237
تاريخ التسجيل : 03/08/2017

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://azkar101.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى