القائلين بمحورية القلب وإهمال العقل

اذهب الى الأسفل

القائلين بمحورية القلب وإهمال العقل

مُساهمة من طرف Admin في 13/8/2018, 22:34

الأصل والسبب لنشوء المغالطات فـي علم التصوف
4- الحلقة الرابعة: القائلين بمركزية القلب وإهمال العقل
بقلم الفقير لله تعالى: أحمد يوسف نده
طرطوس- الشيخ بدر: 16-11-2016م
.............................................................
وصلنا في الحلقة السابقة إلى أن القلب هو أداة ومستقبل وقناة تنتقل عبرها المعلومات وليس هو جهاز للفهم والتعقل.. إلا أن هناك من يرفض ذلك.. ويرى أن القلب هو المركز.. فمع من الحق؟
في هذا المنشور سنقوم أولاً بعرض فكرة الطرف الآخر وأدلته بشكل منطقي.. ثم نجيب عليها بعون الله تعالى:
.
هم يقولون أن هناك حقائق دينية وغيبية وتساؤلات فلسفية وعقائدية عميقة تحيِّر العقول لدرجة أنها تقف عاجزة عن الإجابة.. حتى بعد أن نزل الوحي وجاء النص الديني.. فهناك مسائل لا يمكن للعقل إدراكها.. كقضية أن الإنسان مخيَّر أو مسيَّر.. أو قضية العدل الإلهي.. أو قضية القضاء والقدر.. أو قضية فهم خصائص الحياة الآخرة.. أو معرفة حقيقة الوجود والماهية والمعرفة وعملية تعقُّل العقل.. أو قضايا الإيمان وزواله ورسوخه.. أو الحكمة من العبادات ولم كانت على هذا النحو..
هذه بعض من التساؤلات التي قد تجول في العقل.. ولكن الدين لم يطالب الإنسان بها ولم يكلِّفه بمعرفتها..
إلا أن العقل قد يضطرب ويتساءل لأنه مفطور على التساؤل.. فإذا غاص في لجج وغيابات هذه القضايا فقد تؤدي به إلى الشك والسفسطة والمرض العقلي.. لا بل قد تؤدي إلى الإلحاد وإنكار القضايا الدينية ونصوص الوحي وأخبار الغيب وأحاديث الأنبياء..
.
لذلك فإن هؤلاء سيقولون للعقل: (أيها العقل توقف.. كفاك أسئلة.. تأدَّب.. واصمت.. واخرس)
فيقول العقل: ماذا أفعل كي أتخلص من هذه النزعة الذاتية والفطرة التي فطرني الله عليها وهي التساؤل؟
فيقولون: (عليك بالقلب)..
يتساءل: ماذا يعني ذلك.. ماذا يفعل القلب؟
يقول لك: ابدأ بالمجاهدة والرياضة والعبادة والذكر والأوراد والحب والموسيقى والرقص.. داوم على ذلك.. حتى يتفتح قلبك لتلقِّي الأنوار.. فعندها يزول الشك وتصل إلى الاطمئنان والسرور والسعادة والذوق وإشراق الأنوار والتجليات والكشف عن الحقائق..
فيقول العقل: وإن سألني أحد عن دليل يقيني واطمئناني.. ودليل ما أدَّعي من غيبيات ومكاشفات؟
فيقولون: قل لذلك السائل (ليس الخبر كالعيان.. وليست معرفة العسل وتعريفه كتذوق حلاوته).. فإما أن تسلك وتصل أو أن تكون محروماً من هذا المقام..
.
هذه فكرة القائلين بمركزية القلب بشكل مختصر.. وهناك تجارب حصلت مع كثيرين وأشهرهم الغزالي الذي بدأ بعلم الكلام ثم دخل الفلسفة فانتابته موجة عاصفة من الشك.. ثم التجأ إلى التصوف فوصل لحلاوة الإيمان واطمأن قلبه..
.
وهؤلاء يستدلون بقوله تعالى: ((من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)).. ((إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً)).. ((لهم قلوب لا يفقهون بها)).. ((إذ قال إبراهيم ربي أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)).. وغير ذلك من الأدلة التي تدل على أنه يجب التمسك بالقلب دون العقل..
.............................................................................
مناقشة هذا الكلام والجواب على طروحاتهم:
نقول أولا ومن باب الإنصاف: إن هذا الكلام ليس كله خطأ.. بل فيه من الحق الشيء الكثير..
ولكن السؤال المهم: هذا الكلام لمن يصلح؟ وهذه الطريقة لمن هي موجهة؟
.
الجواب:
- هذا الكلام يصلح لمن ليس متخصصاً في علوم الدين..
- هذا يصلح لكثير من العوام الذين اضطربوا من سماع الآراء في الكتب والمجالس والحوارات والفضائيات..
- هذا ينفع لمن عنده في العقل مرض الجربذة.. أي أنه يتساءل كثيراً ولا استئناس له باليقين العلمي لكثرة شكوكه..
- هذا يصلح لمن تعَّرض لمشاكل مرضية أو مصائب كبرى وهموم عظمى وفواجع قاسية في حياته.. بحيث تعطَّل عقله عن التفكير.. ووقع في حبائل اليأس.. وأضحى فريسة للتشاؤم والسلبية والحزن.. وهو أشبه ما يكون بالشخص الذي أصابه حالة سبات روحي وحيوي.. فكان لا بد من عملية إنعاش للقلب حتى تشعل فيه ومضة أمل وحياة.. أي صدمة كهربائية عاطفية..
- هذا يصلح لشخص ارتكب المعاصي وغرق في الشبهات والموبقات وأراد الرجوع والتوبة ولكنه يشعر باليأس والإحباط والخزي.. فلا يعمل عقله ولا ينفع تفكيره مع حالته البائسة ونفسيته المهزومة والواقعة في الضيق والحرج..
.
فأمثال هؤلاء الأشخاص لا تكون معالجتهم بالدليل والبرهان والعلم والفلسفة.. لأن العقل في غيبوبة.. إذ أن منافذ العقل قد سُدَّت.. إما لكثرة شكّه.. أو لجهله بمصطلحات أهل العلم والفلسفة.. أو لتشاؤمه ويأسه.. فلا يرى ولا يسمع ولا يعتبر بل وقلبه لا ينبض.. فعليك أولاً بمعالجة القلب ونفخ محبة الحياة والأمل في قلبه.. لأن الطريق الموصل للعقل هنا هو القلب..
.
والمعالجة تكون كما يلي:
تأتي إليه عن طريق الحب والعطف والحنان والوجدان.. واللجوء لعالم الغيب والبقاء.. وتوجيهه للفيوضات الربانية والرحمة الإلهية.. وتذكيره بقصص الأنبياء والأولياء.. لأجل أن يستيقظ من سباته.. فيرجع إلى ربه وحياته وأهله وهو بكامل الإشراق والتفاؤل والحيوية.. وهذه أحد حسنات المعالجة القلبية الروحية..
.
ولكنني لست في صدد هذه المعالجة هنا.. وليس كل الخلق واقع في هذه الحالة.. فهذه أحد وظائف التصوف.. ومن الظلم حصر التصوف في هذه الوظيفة..
فأنا أريد من هذه المنشورات التنبيه إلى الوظيفة المركزية للتصوف.. فالأمة لا تنهض إلا بعلمائها.. والعلماء لا يمكنهم أن يقوموا بعملية التطور الحضاري والتقدم الفكري الديني بدون العقل والعقل فقط.. هذا لا يعني أن نلغي العاطفة.. ولكن العاطفة ليست هي المركز بل هي العامل المساعد والمشجع لأي عمل.. العاطفة هي مصدر العزيمة والإصرار والتحمل.. ولكن بدون العقل لا يحصل أي تقدم..
.
ومحل الاشتباه الذي وقع فيه هؤلاء هو ما يلي:
لو جاءك إنسان سليم العقل والفكر وتساءل بشكل علمي أو منطقي.. فلا يمكنك أن تعالجه كما تعالج أولئك.. لأنه إما سيتركك مع قصصك وأوهامك ووجدانياتك.. أو سيدخل معك في الخيالات والأحلام والآمال فينتهي الأمر به إلى الرقص والدوران والضياع والشطحات.. فنكون بذلك قد خسرنا شخصاً علمياً عقلانياً..
هذا يا أصدقائي ما نسميه بالحكمة في المعالجة الروحية.. فأنت كحكيم وطبيب روحاني وعالم رباني عليك تشخيص المرض وتقديم الدواء المناسب.. لا أن تعطي مريض السكر دواء الضغط..
.
وأنا هنا أريد مناقشة فكرة واحدة وهي:
ما هو سبب هذه المغالطات والانحرافات التي يدعيها من ليس لهم من التصوف إلا اسمه.. والتي نشاهدها في عالمنا العربي والإسلامي بكثرة؟؟ وما هي طريقة معالجتها؟؟
وقبل تقديم الجواب سنقوم بمناقشة هذه الأدلة القرآنية التي ذكرناها ولكن إلى حلقة غد إن شاء الله تعالى... والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..
..............

Admin
المدير
المدير

ذكر المساهمات : 1237
تاريخ التسجيل : 03/08/2017

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://azkar101.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى