□ بين اتحاد الفناء واتحاد البقاء

اذهب الى الأسفل

□ بين اتحاد الفناء واتحاد البقاء

مُساهمة من طرف Admin في 13/8/2018, 22:43

بوارق وإشراقات في العرفان والتصوف -2-
(بين اتحاد الفناء.. واتحاد البقاء)
بقلم الفقير لله تعالى: أحمد يوسف نده
(طرطوس: الخميس 29-3-2018م)
.....................................................
إن الأشياء لا تُعرف إلا بأضدادها.. ولكي نعرف الحق كان لا بد من استعراض النظريات التي شابها باطل.. ومنها نظرية الاتحاد.. وسنستعرض لكم حالات الاتحاد واحتمالاته لنكون على بيّنة من أمرنا.. فنرفض الباطل ونقبل الحق..
.
إن الاتحاد بين موجودين إما أن يكون اتحاداً حقيقياً أو اتحاداً مجازياً:
- أما (الاتحاد الحقيقي): فهو أن تتحد ذاتين لتصيرا ذاتاً واحدةً.. وهو على قسمين: إما اتحاد في الماهية وهو (الاتحاد الماهوي).. أو اتحاد في الوجود وهو (الاتحاد الوجودي)..
- وأما (الاتحاد المجازي) فهو أن تبقى كل ذات على حدى.. ولكن لاعتبارات معينة نسميه مجازاً بالاتحاد.. وهو على قسمين: إما (اتحاد بالعرض) أو (اتحاد بالقرب)..
فإذا اتضح ذلك نأتي إلى نظريات من يقول بالاتحاد بين الواجب والممكن.. لتحليلها ومناقشتها واحدة واحدة:
.
أولاً- الاتحاد الحقيقي (اتحاد الفناء):
.......................................
1- (الاتحاد الماهوي): وهو أن تتحد ماهية الواجب بماهية الممكن.. ومثل هذا الاتحاد لا يقوله إلا من أصابه مس في عقله.. إذ أن هذا لا يخلو من أحد أمرين:
- إما أن يصبح الممكن واجباً وهذا محال.. لأن الشيء لا يمكن سلبه عن ذاته.. فالإمكان هو أمر ذاتي للماهية الممكنة التي وُجدت بعد أن كانت معدومة.. إذ أنها مسبوقة بعدمها.. فكيف تصبح واجبة بذاتها..
- أو يصبح الواجب ممكناً.. وهو محال إذ أن الواجب واجب بذاته ووجوده مقتضى ذاته.. وهو لا علة له.. بل هو معل العلل فكيف يصبح ممكناً..
بالإضافة إلى ذلك أن مثل هذا الاتحاد يلزم منه الانقلاب الماهوي.. وانسلاخ الذات عن ذاتها.. وسلب الشيء عن نفسه.. وكل ذلك محال عقلاً.. بل لا يقوله عاقل..
.
2- (الاتحاد الوجودي): ويمكن تصوُّره بإحدى هاتين الحالتين:
.
أ- (الاتحاد النزولي): أي تنزُّل الواجب واتحاده مع خلقه كما يقول به المشبّهة.. حيث يشبّهون ذلك باتحاد الروح والجسد.. وهذا لأنهم شبهوا الخالق بالمخلوق.. إلا أن هذا التشبيه باطل.. لأن المخلوقات مركبة من نوعين: نفس وبدن أو قدم وحدث.. أما الحق جل جلاله فهو متأحّد بذاته.. قِدَمٌ كله لا تركيب فيه.. قائم بذاته لا يحتاج لشيء يقوم به أو يتقوَّم به..
.
ب- (الاتحاد الصعودي): وهو ارتقاء المخلوق واتحاده مع الواجب كما يقوله أصحاب الفناء بلا بقاء.. وأهل المحو الفاقدين للصحو.. حيث يشبّهون ذلك باتحاد العالم بالعلم.. فيرتقي العالم في سلم الكمالات حتى يصل إلى مرتبة الواجب فيتحد به ويغيب في ذات الحق كما تغيب الفراشات في النار..
وهذا أيضاً باطل.. لأننا نسأل عن وجود هذا السالك بعد الاتحاد.. هل له وجود مستقل؟.. أم وجوده متحد بباريه؟.. أم انعدم وجوده بعد الاتحاد؟؟
- فإن قلت له وجود مستقل: فهذا ليس اتحاداً حقيقياً.. إذ بقي المخلوق مخلوقاً والخالق خالقاً.. هذا عبد وذاك رب..
- وإن قلت أن وجوده متحد مع وجود خالقه.. فهذا يعني التركيب في ذلك الكائن الناتج عن الاتحاد.. والتركيب دليل الفقر والاحتياج للأجزاء.. والواجب هو الغني المطلق الذي لا يحتاج ولا يفتقر إلى شيء..
- وإن قلت أن وجوده قد انعدم.. فهذا ليس اتحاد بل هو انعدام للمخلوق.. والانعدام ليس ارتقاء.. لأن الذي يرتقي في سلم الكمال يشتد وجوده ويزداد كمالاً.. لا أنه ينعدم وجوده..
.
ثانياً- الاتحاد المجازي: (اتحاد البقاء)
..........................................
وهو الاتحاد الراجع للانعكاس والإشراق الذي قلنا به في منشورنا السابق.. إلا أننا هناك بحثنا الأمر من حيث طريقة الفيض وآليته.. فأبطلنا الحلول وأثبتنا الإشراق..
أما بحثنا اليوم فهو من حيث نتائج ذلك الفيض.. فهل أن استقبال الفيض الإلهي يؤدي إلى الاتحاد الحقيقي أم المجازي؟؟.. وبما أننا أثبتنا بطلان الاتحاد الحقيقي.. فيبقى أن نبحث الاتحاد المجازي بقسميه:
.
1- (الاتحاد بالعرض):
وهو الذي ينتج عن تقرَّب العبد السالك من باريه.. عن طريق صقل النفس الذي تحدثنا عنه سابقاً.. ليحصل على مقام التشبُّه بالحق على قدر استطاعة المخلوق.. وذلك بالتحلي بصفات الكمال والتنزه عن صفات النقص والاضمحلال.. وكلما كان الصقل أصفى كان الانعكاس أتم.. وهذا الأمر متاح لكلّ من توجَّه إلى الحقّ بمرآة نفسه المصقولة لاستقبال الفيض الإلهي والإشراق الرباني..
.
2- (الاتحاد بالقرب):
وهو الذي يُقصد منه الاتحاد في الرتبة والمنزلة والدرجة.. بحيث تنعدم الوسائط بين الواجب والممكن.. وهذا الاتحاد مختص فقط بالصَّادر الأول الذي أوجده الباري وكوَّنه بدون واسطة.. فهو متَّحد بذات باريه اتحاد قرب.. لأنه صادر عنه بالمباشرة ولا يوجد شيء أقرب منه إلى مولاه.. لا أنَّ ذاته متحدة بذات الباري فيكونان شيئاً واحداً.. بل هو النور الواحدي الصادر عن النور الأحدي كصدور الحرارة عن النار من غير تشبيه ولا تمثيل.. فالصادر الذي هو الحقيقة المحمدية مفتقر في وجوده لذات الواجب.. مقر بعبوديته للإله الحق.. يشير لمعبوده بالتأله ولنفسه بالافتقار والعبودية..
........
ومن خلال ما سبق نجد أن كل أقسام (الاتحاد الحقيقي) السابقة باطلة عقلاً ونقلاً.. إذ لا أصل لها ولم تأت في كتاب ولا سنة.. وهو ما سمَّيته بــ (اتحاد الفناء).. لأنه يشير إلى فناء أحد المرتبتين في الأخرى وذوبانها فيها.. وهذا هو البطلان المحض والشرك الخفي.. وبطلانه عائد إلى وجود البرزخ المانع من التقاء بحر الوجوب الحقيقي مع بحر الإمكان الظلي..
.
أما (الاتحاد المجازي) بكلا قسميه فلا ينافي التوحيد الحق الذي يقول به العارف الموحّد.. وهو ما سميته بــ (اتحاد البقاء).. لأنه يحفظ لكل مرتبة حقها ومقامها.. فيبقى العبد عبداً والواجب واجباً من غير تحول ولا انتقال من حالٍ إلى حال..
.
أرجو أن تكون اللغة سهلة والاستدلال واضح.. إذ قمنا باختصار الأدلة والاستدلالات تجنباً للإطالة.. ومن عنده استفسار فنحن بالخدمة.. دمتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..
..................................

Admin
المدير
المدير

ذكر المساهمات : 1237
تاريخ التسجيل : 03/08/2017

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://azkar101.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى