□ بين حياة الخضر وخضرة الحياة

اذهب الى الأسفل

□ بين حياة الخضر وخضرة الحياة

مُساهمة من طرف Admin في 13/8/2018, 22:47

بوارق وإشراقات في العرفان والتصوف -7-
(بين حياة الخضر وخضرة الحياة)
بقلم الفقير لله تعالى: أحمد يوسف نده
(طرطوس: الجمعة 11-5-2018م)
.....................................................
(حياة الخضر عليه السلام)
..................................
من الحقائق التي ذاعت وانتشرت واشتهرت في مباحث التصوف والعرفان.. والتي تعتبر أحد الركائز التي يستند إليها الصوفية والعرفاء هي حقيقة الخضر عليه السلام.. هذا الولي العظيم الذي رافق الكثير من الأنبياء والرسل.. وعلى مر العصور.. حتى اتفق الجميع على أنه حي إلى زماننا.. بل إن اسم (الخضر) له رمزية تدل على ديمومة الحياة التي يتمتع بها.. وهي رمزية مأخوذة من عالم الطبيعة التي من حولنا.. حيث أن خضرة النبات تدل على حياته..
.
ولكننا هنا نريد استخلاص قضية عقائدية من هذه الحقيقة العرفانية.. كي لا يرد علينا إشكالاً حول غيبة المهدي والتشكيك بولادته عليه السلام.. فهنالك من يقول لنا: لو سلَّمنا بولادته فهذا يعني أنه مات وليس بحي.. وكيف يكون حياً والمدة بيننا وبين ولادته أكثر من ألف عام.. ولكن هذا ليس أمراً مستحيلاً.. فنوح ع عاش ما يقارب الألف عام.. لا بل إن الخضر عليه السلام كان ولا زال حياً... وهذا ليس بغريب على قدرة الله تعالى الحي الذي لا يموت والذي يهب الحياة لمن يشاء..
.
وكيف تنقطع عترة النبي المتمثلة بالأئمة الاثني عشر بعدم ولادة المهدي أو بوفاته.. مع أن النبي نفسه ص يقول في خطبته عن الثقلين وهما القرآن والعترة (أنهما لن يفترقا).. فلو توقفت الإمامة عند الإمام الحسن العسكري ع ولم يولد المهدي لحدث الانقطاع والافتراق.. ولو أن المهدي وُلد ومات لحدث الافتراق.. ولكن العترة باقية ببقاء القرآن.. وكيف تنقطع العترة النبوية والتي هي واسطة الفيض بين الواجب وعالم الإمكان.. وهذه هي الولاية التكوينية التي منحها الله تعالى لأنبيائه ورسله وأوليائه عليهم أفضل الصلاة والسلام..
.
وطالما أننا في أواخر شهر شعبان هذا الشهر الذي امتاز بليلة النصف التي تشرَّفت بولادة خاتم الأئمة.. والتي من خلالها يتم توزيع الأرزاق على العباد.. دلالة على مرور الفيض الرباني على يد الإنسان الكامل الذي به تقوم الأرض ومن عليها.. ودلالته قوله تعالى (تنزَّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر).. أي كل أمر يمر من سماء الوجوب إلى أرض الإمكان إنما يتم عن طريق برزخية الولاية التكوينية والمتمثلة بالحقيقة المهدوية في زماننا وعصرنا هذا..
.
فإن قال قائل: وما الذي يستفاده الخلق من إمام غائب لا حضور له ولا فعالية لأمره؟؟.. قلنا أن غيبته إنما هي غيبة عن الخلافة الاعتبارية السياسية الاجتماعية.. وليست غيبة حقيقية تكوينية.. ومثلوا ذلك بالشمس التي ينتفع بوجودها الخلق حتى لو سترها السحاب.. فعدم رؤية قرصها لا يعني عدم فعاليتها أو انطفاء ضيائها ودفئها..
.
فإن قيل: هذا نفع تكويني خاص بوجود الأشياء وتقسيم الأرزاق.. فأين النفع العلمي الذي يتمثل في ارتقاء العباد في معارفهم الربانية وارتقائهم في عوالم الملكوت؟؟
قلنا هذا ينقلنا إلى البحث الثاني ألا وهو:
.
(خضرة الحياة)
....................
إن أهل البيت عليهم السلام لم يغيبوا حتى أودعوا معارفهم في صدور أوليائهم.. فظهرت كتب الحديث ورواة الأحاديث وعلماء القرآن والفقهاء الذين حفظوا لنا معارف القرآن وتفسيره وأحكام الشريعة وتفريعاتها وأصول العقيدة وتفصيلاتها.. بما يضمن الهداية للمسلمين.. إلا أن هناك مباحث عرفانية كشفية ذوقية يتلقَّاها الخواص من العرفاء.. ولا يكون ذلك إلا عن طريق الفيض الإلهي الذي لا ينقطع.. ولا يحتاج ذلك إلا لتزكية النفس وتصفيتها لتكون مرآة تعكس ذلك الفيض..
ولكن ذلك لا يكون أيضاً إلا من خلال التنزل على يد الإمام الحجة عليه السلام.. ليس لعجز في الحق الذي يفيض العلم.. بل تكريماً منه سبحانه لمرتبة الصادر الأول المعبر عنه قرآنياً بالخليفة المجعول في عالم الأرض.. فإرادته تعالى اقتضت أن يصل فيضه إلى خلقه عن طريق حججه وأوليائه.. وهذه الخلافة الملكوتية استمرت من الحقيقة الآدمية إلى الإمامة الإبراهيمية إلى الخاتمية المحمدية إلى الحجة المهدوية.. فإن الله تعالى كما أمر ملائكته بالسجود لآدم الذي كان واسطتهم في تعليم الأسماء.. كذلك أمر تعالى الجميع بطاعة الخليفة الرباني المتحقق بالأسماء الإلهية (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)..
وبعد غيبة الحجة عليه السلام.. قام بعض علماء الأمة من أهل العرفان بمهمة التزكية والتقوى والتصوف والعرفان لأخذ الفيض الإلهي المنعكس على مرآة الحجة سلام الله عليه.. فكانوا هم مرآة لمرآة الحجة المهدي ع وخلفاء للخضر ع.. في استمرارية ودوام هذه العلوم الربانية وانتقالها بين أقطاب التوحيد والعرفان..
.
ومن باب أن الحسيات معابر إلى العقليات يمكننا أن نضرب لهم مثلاً بصفات الخضرة الدائمة في عالم الأشجار.. فمن المعلوم أن الأشجار تنقسم إلى ما له خضرة دائمة و ما له خضرة منقطعة.. فنستدل بذلك على أن الخضرة الدائمة تدل على رسوخ قدم البعض من خلفاء المهدي ع في هذا العلم الملكوتي النوراني الذي به حياة الأرواح..
.
ولكننا إذا تابعنا استقراءنا في عالم الحسيات لوجدنا أن أشهر أشجار الخضرة الدائمة تنقسم إلى أربعة أقسام رئيسية: (الصنوبريات.. السنديان وما يشبهها... أشجار الزيتون.. أشجار النخيل).. ولكل من هذه الأقسام ميزة خاصة به تميزه عن غيره..
.
فالسنديان يمتاز بشكله الذي يشبه البيت والقبة والحضن وما يعطيه من الظل الذي يجمع الناس تحته.. ففيه إشارة إلى العرفاء من أهل السياسة والرئاسة والوجاهة الاجتماعية.. التي يعيش في كنفها الناس ويشعرون بالأمان والأبوة والاستقرار والحماية والقوة..
.
وأما الصنوبريات وأشجار السرو.. فلا ظل لها كسابقتها.. إلا أنها تمتاز بوقوفها شامخة.. فإذا اجتمعت مع مثيلاها شكَّلت سداً منيعاً في وجه الأعاصير والعواصف والرياح.. ففيها إشارة إلى العرفاء من أهل العلم وفنون الفلسفة والجدل واللغة والمنطق والطبيعيات والرياضيات وو.. حيث يقف هؤلاء شامخين بعلومهم.. يشكّلون سداً منيعاً في وجه الشبهات والبدع والسفسطة والهرطقة والانحرافات الدينية والفكرية والعقائدية..
.
وأما الزيتون وما ينتج عنه من زيت يكون به قوام البدن ويضيء في الظلام.. فهو دلالة على العرفاء المرشدين الذين يأخذون بيد المريدين والطلبة والتلاميذ.. فيقدّمون لهم العلوم بطريقة منهجية نبوية أبوية.. بحيث يلقنونهم ما تقوم وتتغذى به أرواحهم.. ويضيئون لهم طريق الهداية في ظلمة الجهل والشرك والضلال..
.
وأما النخيل فهو مثال يدل على العرفاء الذين ارتقوا في معارفهم الذوقية وكشفهم الإشراقي.. حتى وصلوا إلى مراتب لا ينالها إلا خواص الخواص.. والأكل من ثمرهم لا يتم إلا لمن صعد في مراتبهم العالية فيأكل من رطبهم ويتذوق حلاوة تمرهم..
.
فكل مؤمن وعارف وصوفي وموحّد من أتباع مهدي آل محمد ع.. له وظيفته ودوره الوجودي والعلمي والتكويني.. بما يضمن الحفاظ على أيتام آل محمد وعموم المؤمنين والمسلمين من أهل الإيمان والتسليم..
.
ومن هنا ينكشف لنا دورٌ آخر للخضرة غير دلالتها على حياة أصحابها.. فعلماء الأحياء بيَّنوا أن الخضرة تقوم بعملية معاكسة للتنفس التي تأخذ الأوكسجين وتطرح ثاني أكسيد الكربون.. ألا وهي عملية التركيب الضوئي حيث تقوم النباتات الخضراء بأخذ الكربون وطرح الأوكسجين الذي به حياة الكائنات الحية.. ومن خلال ما ذكرنا اتضح لنا دور أهل العرفان المحمدي والتصوف المهدوي.. فكما أنهم يعيشون كغيرهم من الناس.. حيث أن الناس يستخدمون عقولهم (الأوكسجين) لتدبير معاشهم الدنيوي وحياة أبدانهم من طعام وشراب ونكاح وأولاد وبيوت ومناصب ووظائف وأعمال وحرف وتجارات وزراعة وصناعة (ثاني أكسيد الكربون)..
إلا أن لوجودهم الروحي فائدة نورية مشابهة للتركيب الضوئي.. ألا وهي أخذ العلوم الحسية من عالم الطبيعة والمحسوسات (ثاني أكسيد الكربون).. والارتقاء بها وتحويلها إلى علوم عقلية ربانية إلهية (أوكسجين).. يقدمونها لطلاب المعرفة والعلم ليحيوا الحياة العقلية الملكوتية...
فقدس الله أرواح علمائنا وأسيادنا المؤمنين الطاهرين الذين عشنا وترعرنا تحت ظل حمايتهم وعلومهم وتربيتهم.. رزقنا الله في الدنيا بركتهم وفي الآخرة شفاعتهم.. وجزاهم عنا خير الجزاء بحق سيدنا محمد وأهل بيته الأتقياء.. وأسكنهم الله في دار عليين مع الملائكة والشهداء والصالحين.. في حضرة الحبيب محمد وأهل بيته الطاهرين.. دمتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..
............................

Admin
المدير
المدير

ذكر المساهمات : 1237
تاريخ التسجيل : 03/08/2017

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://azkar101.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى