على أعتاب ذكرى المصيبةالعظمى شهادة الصديقة الكبرى(ع) لسماحة المرجع الوحيد الخراساني

اذهب الى الأسفل

على أعتاب ذكرى المصيبةالعظمى شهادة الصديقة الكبرى(ع) لسماحة المرجع الوحيد الخراساني

مُساهمة من طرف Admin في 18/1/2018, 13:22


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين

لا سيّما بقية الله في الأرضين .. واللعن على أعدائهم إلى يوم الدين ..



إنَّ الهدف من الخلقة هو معرفة الله سبحانه وتعالى وعبادته .. معرفةً لا يمكن أن تتأتى من غير طريق الوحي وتخمد أمام عظمته وكبرائه مشاعل العقول ، وما تنسجه الأفكار وتحكيه الأوهام عن ذاته سبحانه وصفاته وأفعاله ما هي إلا ظلمات بعضها فوق بعض :


كُل ما مَيّزتُموهُ بِأَوهامِكُم في أدقّ مَعانِيهِ مَخلوقٌ مَصنوعٌ مِثلُكُم مَردودٌ إليكُم (1) سبحانه من عظيم تاهت الفطن في تيّار أمواج عظمته ، وحصرت الألباب عند ذكر أزليته ، وتحيّرت العقول في أفلاك ملكوته ...

والمنار لبلوغ ( نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (2) منحصر في مشكاة قلبٍ أضاءه مصباح الوحي : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) (3) والعبادة تليق ذاك السبّح القدّوس الذي خلق الإنسان .. الذي لم يكن شيئاً مذكوراً .. من نطفة أمشاج ، وجعله سميعاً كي يسمع آيات شريعته ، وبصيراً حتى يرى آيات حكمته .. وخلق من الماء المهين خلقاً يرقى إلى مقام العقل واليقين .. وعلم اليقين .. وعين اليقين .. وحق اليقين .. ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (4)


إلا أنّ عبادة الله الذي ليس كمثله شيء مثل معرفته لا تتيسر إلا بما شرّعه ( العلي العظيم ) وأبلغه لنا بواسطة الأنبياء العظام كي يدعى ( ذو الجلال والإكرام ) بأسماء الجمال والكمال التي هي خزائن جواهر عرفانه عزّ وجلّ ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (5) وتلك المعرفة والعبادة التي هي الغرض من خلق الإنسان والخليقة .. وحصيلة بعثة الأنبياء .. بلغت الغاية ببعثة الخاتم للنبيين الذي هو ( الخاتم لما سبق ) و ( الفاتح لما استقبل ) وبذا بلغ حد الكمال ..


وهذه الشجرة الطيبة التي غرسها ربّ العزّة بعين الحكمة ويد القدرة في ارض الفطرة البشريّة ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) (6) أينعت وتكاملت وأتت أوكلها بوجوده صلى الله عليه وآله في ذلك اليوم الذي قال : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (7) فجمع ما أمكن أن يكون من معالم الهداية في مدينة العلم والحكمة الخاتمية .. وبحكمته البالغة .. قد حصر تلك المدينة بحصن حصين لا ينفذ فيه الخطأ والهوى .. كي لا تدنس العقول الناقصة والقلوب الفاسدة جواهر العلوم الربّانية والحِكَم الإلهية .. ولم يترك لتلك المدينة منفذاً سوى الصراط المستقيم للولاية الكبرى .. ولم يفتح باباً للخلق والخليقة سوى باب الإمامة العظمى الملازمة للعصمة المطلقة من كل خطأ وسهوٍ وهوى ونسيان .. ( أنا مَدِينةُ العِلمِ وَعَلي بابها ) (Cool

ومن الضروري أن يعلَم انّ الحلقة الرابطة لعرى الأمة إلى يوم القيامة بتلك الرسالة العظمى والإمامة الكبرى ما هي إلا الإنسية الحوراء .. فاطمة الزهراء سلام الله عليها ...

تلك هي الوسيلة الوحيدة لإمتداد الوجود الخاتم في هذا العالم .. إذ إنّ نسلها سلام الله عليها يُمثِّلُ البُعد المُلكي له صلى الله عليه وآله .. كما وأنّ البعد الملكوتي لدينه صلى الله عليه وآله باقِ بالأئمة من ولدها صلوات الله عليها ..

تلك هي الوسيلة لبزوغ الكواكب السماوية للإمامة .. إذ مظهر أفق وجودها مشرق الحلم الحسني .. والشجاعة الحسينية .. والعبادة السّجادية .. والمآثر الباقريّة .. والآثار الجعفرية .. والعلوم الكاظميّة .. والحُجج الرضويّة .. والجود التقوّية .. والنقاوة النقويّة .. والهيبة العسكريّة .. ومن الحسين .. الذي هو مصباح الهدى وسفينة النجاة .. إلى المهدي الموعود .. الذي هو منتهى مواريث الأنبياء .. و ( بِيُمنِهِ رُزِق الوَرى ) و ( بِوجودِهِ ثَبتَتِ الأرضُ وَالسّماء ) ثمرة تلك الشجرة الطيبة التي :

أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا (9)

والحاصل : أنّ الجواهر المكنونة في الخزائن الإلهية ما هي إلا من صدف عصمتها .. والسراج المنير لنبوة الأنبياء .. من آدم إلى الخاتم .. والمشعل الوهّاج لإمامة أئمة الهدى مستنير بنور وجودها ..
وآخر هذا المكنون من هذا الصدف .. والكوكب الدرّي لهذا الفلك هو الذي :

يَملَأ الأرضَ قِسطاً وَعَدلاً كما مُلِئَت جوراً وظُلماً (10)

وبوجوده يصدق تأويل قوله تعالى :

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (11)

وبظهوره يعلم تفسير قوله عزّ اسمه :

وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا (12)

وليعلم أنّ قدر ( ليلة القدر ) التي هي ( مَنزِل كتاب الله الأعظم ) مجهول .. ودرك مقام تلك العطيّة الكوثريّة ( عطيّة ربّ العرش العَظيم ) للرسول الكريم عن عقولنا محجوب ..
وما أقرّ بصدوره العامّة والخاصة .. على لسان رسول الأكرم صلى الله عليه وآله الذي ( مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) (13) واعترفت به نقّاد الحديث الذين لا يلوون جهداً في تضعيف أسانيد الأحاديث الواردة في فضائل أهل بيت العصمة والطهارة .. قد أعجزهم المس في سند هذا الحديث .. بل الكل أقرّ بصحته وتماميّته على جميع المباني والشروط عند المشايخ .. وشهدوا على قول رسول الله صلى الله عليه وآله ..

فَإنما هِيَ ( فاطِمَةُ ) بَضعَةٌ مِنّي يُريبُني ما أرابَها وَ يُؤذِيني ما آذاها (14)

وقوله صلى الله عليه وآله ..

فاطِمَةُ بَضعَةٌ مِنّي فَمَن أغضَبَها أغضَبَني (15)

إذ عبّر عن فاطمة بأنّها بضعة من وجوده و إنيّته ..
ذاك الذي كان ( أوّل ما خلق ) (16) و ( أفصح من نطق ) وإسم الله الأعظم في الأسماء الحسنى .. ومثل الله الأعلى في الأمثال العليا .. قد عبّر عنها بأنها السبيكة المسبوكة من وجوده .. فعدّ غضبها غضبه .. الذي غضبه غضب الله ..
وهذا مقام يحكي من تفرّع فاطمة من مثَل نور الله وانعكاس غضب الله ورسوله ورضاهما في غضب الصديقة الكبرى ورضاها ..
وقد نقل الفريقان أنّه صلى الله عليه وآله قال لفاطمة عليها السلام ..

إنّ اللهَ يَغضَبُ لِغَضَبِكِ وَ يَرضى لِرِضاكِ (17)

ومقام العصمة الذي هو أعلى مراتب الكمال الإنساني لا يكون إلّا بدوران غضب العبد ورضاه مدار رضا الله وغضبه سبحانه ..
وإذا كانت العصمة الكبرى تعني وصول الإنسان الكامل إلى مقام يرضى معه برضا الله ويغضب لغضب الله بقول مطلق .. فإن فاطمة الزهراء عليها السلام وصلت إلى مرتبة يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها بقول مطلق .. وهذا مقام يحار فيه الكمّل !
تلك هي مشرق الأنوار لنجوم سماء الولاية .. ومخزن الأسرار لتخوم كتاب الهداية ..
تلك هي زوجة وأم اثنى عشر سيّد من ولد إسماعيل الذين جاء ذكرهم في الباب السابع عشر من سِفر التكوين من التوراة .. وخبّر الله بهم إبراهيم الخليل ..
تلك هي العلامة العظمى في السماء التي ظهرت في مكاشفات يَوحنّا .. امرأة قد احتضنت الشمس .. والقمر تحت قدميها وعلى رأسها تاج من اثنى عشر كوكباً (18)
تلك في صورة (حم) تأويل الليلة المباركة التي ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) (19)
تلك ( نِسَاءَنَا ) (20) في القرآن المجيد .. ذاك الجمع الذي انحصر بفرد واحد ..
تلك وبعلها .. بحر النبوة .. والعلم الذي بهما أوِّل قوله عزّ من قائل :

مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (21)

تلك المرأة الوحيدة التي عدّ الله سبحانه دعاءها عِدل دعــاء خاتم النبيين وسيد الوصيين في يوم المباهلة ..
تلك وحيدة الدهر التي توّجها الله بتاج :

إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (22)

تلك التي شاهدت رسول الله يوم المعراج مكتوباً على باب الجنة : ( فاطِمَةَ خِيرَةُ اللهِ ) (23) .. نعم ، تليق لأحمد المختار خيرة الله ..
تلك التي شاهد رسول الله صلى الله عليه وآله ..

وّأبعّثُ عَلى البُراق خُطوُها عِندَ أقصى طَرفِها وَتُبعَثُ فاطِمَةُ أمامِي (24)

تلك كفاها أنّها تحشر يوم النشور قدّام ( إمَامُ الأوّلِينَ وَاللآخرين ) كي يتجلّى معنى ( يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) (25)
ذاك النور لذي يتقدّم يوم الجزاء صاحبه الذي عبر عنه ربّ العزّة في كتابه المجيد بـ : ( السراج المنير ) وجعله مثَل نوره في آية النور ..



وكفى في شخصيتها أنّها أوّلَ من ترد على بساط القرب الذي هو ..

فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (26)

أوّلُ شَخصٍ يَدخُلُ الجَنّةَ فاطِمَةُ عليها السلام (27)

وحيث استقرّت في مستقرّ رحمته زارتها الأنبياء كلاً :

زارَكِ آدمُ وَ مَن دُونَه مِنَ النّبِيين (28)

تلك الجوهرة الفريدة الوَحيدَة التي منّ الله تعالى بوجودها .. الذي صار سبباً لإمتداد أشعة رسالة أبيها صلى الله عليه و آله .. على النبي الخاتم ، حيث قال :

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ 0 فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ 0 إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ

ومنّ الله ببعثة النبّي الخاتم على المؤمنين إذ قال :

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ (29)



إنّ خزائن علوم الأئمة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين .. بعد القرآن المبين .. قد خزنت في ثلاث صحف مخزونه مكنونة عندهم .. وهي : الجفر .. والجامعة .. ومصحف فاطمة عليها السلام ..
إذ بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله من هذه الدنيا الفانية .. وابتلاء الصديقة الكبرى بالحزن الشديد لفراق أبيها .. فطبقاً للحديث الصحيح المروي عن الإمام السادس جعفر بن محمد الصادق عليه السلام :
( .. كَانَ جِبرَائيل عليه السلام يَأتِها فَيُحسِنُ عَزَاءَها عَلى أبِيها ويُطَيّبُ نَفسَها .. وَيُخَبّرها عَن أبِيها وَمَكانِه .. وَيُخبِرُها بِما يَكُون بَعدَها في ذُرّيَتِها .. وَكَانَ علي عليه السلام يَكتُبُ ذلك .. ) (30)
فهذا مصحف فاطمة عليها السلام .. الحاوي علم ما يكون ...

والذي يلزم أن يعلم آية قدرة في تلك النفس القدسّية .. وآية جذبة في بضعة الحقيقة المحمديّة التي جذبت بحقيقتها شديد القوى من الأفق الأعلى .. وقهرت بقدرتها روح الأمين من سدرة المنتهى ..
نعم .. السلام .. والسلامة من أكدار العالم المادي في ليلة القدر التي هي مطلع الفجر لشموس سماء الولاية أوجبت أن تتنزل الملائكة والروح ..

و في الحديث الصحيح عن موسى بن القاسم أنّه قال : قلت لأبي جعفر الثاني عليه السلام : قد أردت أن أطوف عنك وعن أبيك .. فقيل لي : إنّ الأوصياء لا يُطاف عنهم ! فقال : بَلى .. طِف مَا أمكَنَك .. فَإنّ ذلك جّائِز .. ثم قلت له بعد ذلك بثلاث سنين : إني كنت أستأذنك في الطواف عنك وعن أبيك .. فأذنت لي في ذلك .. فطفت عنكما ما شاء الله .. ثم وقع في قلبي شيء فعلمت به .. قال : وَ مَا هو ؟ قلت : طفت يوماً عن رسول الله صلى الله عليه وآله .. فقال ثلاث مرّات ( صَلى اللهُ عَلى رَسُولِ الله ) ثم اليوم الثاني عن أمير المؤمنين عليه السلام .. ثم طفت اليوم الثالث عن الحسن عليه السلام .. والرابع عن الحسين عليه السلام .. والخامس عن علي بن الحسين عليه السلام .. واليوم السادس عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام .. واليوم السابع عن جعفر بن محمد عليه السلام .. واليوم الثامن عن أبيك موسى عليه السلام .. واليوم التاسع عن أبيك علي عليه السلام .. واليوم العاشر عنك يا سيّدي ! وهؤلاء الذين أدين لله بولايتهم .. فقال : إذاَ وَاللهِ تَدينُ الله بالدينِ الذي لا يُقبَلُ مِنَ العِبَادِ غيرَه .. فقلت : وربما طفت عن أمّكَ فاطمة عليها السلام .. وربّما لم أطف فقال : استَكثِر مِن هَذا فَإنّهُ أفضَل ما أنتَ عامِلُه .. إن شَاء الله (31)

والتي إذا أضيف لها طوف بيت الله الحرام صار ذلك الطواف أفضل الأعمال .. كيف يمكن تحريرها فضائلها أو تقدير قدرها ...

إن أضواء الكمال وأنوار الجلال الساطعة من تلك الشمس البازغة في سماء العصمة .. ممّا لا تسعه العقول الجزئية .. وما كان قصدنا هنا إلا الإشارة والتذكرة لأولي الألباب ..


فما الذي حدث بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الملأ الأعلى .. إنّ مثل هذا الوجود الذي ملؤوا قلبه بالحزن والألم ارتضى أن يخلع قلبه من ولده كالحسن والحسين .. أن يغض طرفه عن بنات صغارٍ وأن تنوح عند قبر أبيها قائلة : يَاإلهى .. عَجّل وَفاتِي سَريعاً (32)

وأن تقول : صُبّت عَلَي مَصائِبُ لَو أنّها صُبّت عَلَى الأيَامِ صِرنَ لَيالِيا (33) ولذا عندما أودعت التراب لم يبق من بدنها النحيف إلا شبح ( وَصارَت كَالخَياَلِ ) (34)

فكان أن صار ذلك الرجل الذي بقدرته وإرادته أخضع الدنيا والآخرة .. قد هدّه مصاب فاطمة .. وانهار حتى انّه خاطب رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله : امّا حُزنِي فَسَرمَدُ .. أمّا لَيلِي فَمُسَهّدٌ .. (35)



فما يلزمنا ، يا ترى ؟ أمام هذه الداهية الدهياء والمصيبة العظمى .. ؟ !
حيث كان رسول الأكرم الله صلى الله عليه وآله الذي هو من به وجودنا وكمالاته المفاضه ممن منه الوجود .. وهو الواسطة في تربيتنا التكوينيّة والتشريعيّة .. فله صلى الله عليه وآله على كل مسلم قد اهتدى في مبدأه ومعاده .. وبـ : ( مَن أرسَلَ اللهُ ) و ( ما أنزَلَ الله ) حق الحياة الأبديّة ..

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (36)

وبمقتضى إدراك العقل بوجوب شكر المنعم .. وحكم الشرع بلزوم مودّة ذي القربى

قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى (37)


وأنّ فاطمة عليها السلام أقرب خلق الله وأحبهم لرسول الله .. فيلزمنا القيام بتقديم مقدورنا في تعظيم .. هذه الشعيرة .. يوم شهادتها التي فيها دفن الناموس الإلهى وبضعة أشرف الأنبياء وكفؤ سيّد الأوصياء .. أمّ الأئمة النجباء .. واروها نصف الليل غريبةً ! وكان أن عفي قبرها .. الذي هو مخزن الأسرار الإلهية .. وأخفِيَ .. فكانت شهادتها سند إحقاق حق أول مظلومي العالم .. ولم أرَ مثله حقاَ أضيعا (38)
أنّ تخليد يوم شهادة تلك البضعة الطاهرة بالشعائر الفاطميّة .. إنّما هو إحياء لأمر أمير المؤمنين وإحياء أمره عليه السلام .. الذي هو نفس رسول الله صلى الله عليه وآله .. إحياء أمر خاتم الأنبياء .. وإحياء أمر سّيد الأنبياء إحياء أمر تمام الأنبياء والمرسلين ... وإحياء أمر أنبياء الله إحياء لأمر العبادة والمعرفة لربّ العالمين ..



فالمأمول ممّن يأمل أن يحضى بشفاعة أبيها يوم القيامة .. ويتمنى لقاء بعلها عند خروج الروح .. أن يأمن من وحشة القبر ووحدة ليلة الدفن بدعاء الصديقة الكبرى .. أن يجدّ في إقامة مراسيم العزاء .. إلى حد الإمكان .. بما يتناسب مع عظمتها سلام الله عليها .. وأن تُرفَع أعلامُ العزاء من المواكب الدينية في مصيبة ( أمّ الأئمةِ النُقَباءِ ) معزيّةً لسبطها الأكبر وسيد الشهداء عليهما السلام .. عسى أن يكون ذلك سلوى وعزاء من هذه الأمة لأبيها وبعلها اللذان هما أول وثاني مَن في عالم الإمكان .. وأن يكون ذلك بلسماً لجراح قلوب وُلدِها المعصومين .. أئمة اللإنس والجن سلام الله عليهم أجمعين .. ونوع تقديم إخلاصٍِ لمن هو الآن بيمينه رزق الورى .. وبوجوده تثبت الأرض والسماء .. وولي العصر وصاحب الزمان أرواحنا لتراب مقدمه الفداء ..



وعليه فمن المفروض اللازم على عامَّة المؤمنين الإلتفات إلى هذه النكتة .. التي لا تقال تعصبا وتعنتاً .. بل بمقتضى الدليل والبرهان :

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (39)

وإنّ هذا الإسلام بأصوله وفروعه قائم بالأئمة المعصومين عليهم السلام ( بِنا عُرِفَ اللهُ بِنا عُبِدَ اللهُ .. نَحنُ الأدِلّاءُ عَلى اللهِ .. وَلَولانا مَا عُبِدَ اللهُ ) (40)

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنَي تارِكٌ فيكُمُ الثَقَلينِ .. كِتاب اللهِ .. وَأهلَ بَيتي .. وإنهُما لَن يَفتَرِقا حَتى يَرِدا عَلَيّ الحَوض ) (41)

وثمّة أيدي مرموزة تعمل لتضعيف الروابط المستحكمة بين هذه الأمّة وأئمة الهدى .. الذين هم مصباح الهداية وسفن نجاة الأمة .. وتبديل الهداية إلى هذا الصراط المستقيم .. الذي هو ثمرة حياة الأئمة المعصومين .. ونتيجة الجهاد العلمي والعملي للعلماء الربّانيّين والفقهاء الراشدين .. بالضلال المبين الذي هو انحراف عن ولاية أولياء رب العالمين .. والبراءة من أعداء الله المضلين ..
وعليه فإن اللازم العقلي والشرعي يفرض علينا بتعظيم شعائر الدين .. الذي مصداقها الأتم والأكمل .. إظهار الولاية لمقام الصدّيقة الكبرى عليها السلام .. وإبراز الإعتصام بحبل الله الذي هو القرآن والعترة .. وحفظ الشريعة الحقّة التي هي سبيل الله الأعظم .. وصونها عن قطّاع الطريق المستقيم ..
طوبي لأولئك الذين يوفّقون لخدمة المقام المنيع لشفيعة يوم الجزاء .. ويحضون برضاها الذي هو رضا الرب .. إذ إنّ رضا الله سبحانه هو منتهى آمال الأنبياء والأولياء

ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ (42)

وبإقامة الشعائر يوم شهادتها تُحرس وتُصان هذه الطريقة الحقّة من كيد المخالفين والمنافقين ..



ولنختم الكلام متبركين بذكر وصيّتها :
( بسم الله الرحمن الرحيم .. هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله أوصت وهي تشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً عبده ورسوله ، وأنّ الجنة حق والنار حق ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ الله يبعث من في القبور ، يا علي : أنا فاطمة بنت محمد ، زوّجني الله منك لأكون لك في الدنيا والآخرة ، أنت أولى بي من غيري ، حنّطني وغسّلني وكفّني بالليل وصلّ عليّ وادفني بالليل ولا تعلم أحداً وأستودعك الله وأقرأ على ولدي السلام إلى يوم القيامة ) (43)
هذه الوصية .. أنشأت في حال شهود المبدأ والمعاد .. والجنّة والنار .. والرسالة والرسول .. ولم تقم مثل هذه الشهادة من شهيد .. ولن تقوم من يوم نزول قوله تعالى :

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُواْ الْعِلْمِ

قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (44)

إلى اليوم المشهود ..
شهادة أدّيت في محضر شاهدي الصدق .. الأول منهما ربّ العزّة والشاهد الثاني منهما وليّ الله الأعظم :

قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (45)

إنّ معرفة هذه الشهادة وشاهدها ومشهودها تختص بأولي العلم الواقفين على مراتب التوحيد ومقام الخاتمية وحقيقة الجنة والنار .. وأسرار بعث من في القبور .. وأحوال يوم النشور ..
والغرض الإشارة إلى آخر ما جاء في الوصيّة .. إذ قالت : وأقرأ على ولدي السلام إلى يوم القيامة ..

الذي يظهر منها : لارتباطها بعالم الغيب وإحاطتها بعالم الشهود .. علمها بعدم انقراض سلسلة أولادها إلى يوم القيامة ولذا طلبت من أمير المؤمنين عليه السلام أن يبلغ ولدها السلام إلى يوم القيامة ..
وليعلم الفاطميون والفاطميّات أي تاج فخر كللّتهم به .. وأي مسئوليّة كبرى حملتهم .. أين تاج سلاطين الدنيا ؟ وأين فخر سلام ناموس الله على ذريّة الزهراء عليها السلام ؟
سلام الصديقة الكبرى النابع من قلب القرآن وسورة يس وهو سلام متصل بـ :

سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (46)

الذي هو قلب سورة يس ..
إنّ المسئولية العظمى المتأتاة في رد هذا السلام الواصل من تلك الناحية المقدسة التي خصّها الله الذي ..

لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ (47)

بصلاته وسلامه ..
إنّ جواب هذا السلام هو ما يلزم ولدها إلى يوم القيامة من الدفاع عن حق أمّهم بتمام وجودهم .. ويلزم جواب هذا السلام من كلّ سيّدٍِ من وُلدها بما يتناسب ومقامهم ..
ولا ينبغي لسيد من ولدها قد وصل إلى مقام أو منصب ثمّ يقصّر عن أداء حقّها .. أو إحقاق حقوقها ..
تلك التي كانت تقول دفاعاً عن إمامة الأئمة المعصومين :

( وطّاعّتُنا نِظاماً لِلمِلَةِ .. وَإمامَتَنا أماناً مِنَ الفِرقَةِ ) (48)

وذاك في مقام إحقاق حقها .. وإحياء أمر إمامة أئمة الهدى .. مع ما كانت عليه من عظم المصاب الذي هدّ قوتها .. وأنحل جسدها .. حتى خاطبت أبيها بقولها :

رفعت قوتي (49)

وكانت تنشد عند قبر ابيها بقلب حزين في فراق ذلك الأب الرحيم :

ماذا على مـن شـمّ تُربَة أحمد أن لا يشم مدى الـزمان غـواليا (50)

والحذر من عدم رعاية شيعتها المحرومين والغفلة عنهم .. إذ قلبها تعلّق بقلوبهم التي تحزن لحزنها وتفرح لفرحها ..
فكان جواب هذا السلام من السادة البالغين مرتبةً علميّةً هو التكفل لأيتام آل محمد عليهم السلام بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ولا يَدَعون هذه القلوب في غيبة صاحبها أن تقع في حبال شبهات المخالفين وأن يصادوا من قبل شياطين الجنّ والإنس ..
وجواب هذا السلام من قبل السادة الأغنياء هو البذل من مالهم من سبيل تحكيم مباني المذهب الذي من أجله ضحّت واستشهدت .. ولا يبخلوا من الإنفاق في سبيل إحياء شعائر يوم شهادتها ..
وعلى عموم السادة التأمل في هذه الكلمات التي جاءت في وصية الصديقة الشهيدة عليها السلام :

حنّطني وغسّلني وكفّني بالليل .. وصلّ عليّ .. وادفني بالليل ولا تعلم أحداً ..

إنّ أقلّ ما يُجاب عن هذا النداء ويجبر .. وأنّى له أن يجبر .. أن يُقام مواساةً لغربة تلك الجنازة المحاطة بأيتامها الذين لم يفارقوا صدرها .. أن يحملوا ليلة دفنها في كلّ بلدةٍ وقريةٍ أعلام المصاب .. ويرتدوا ثياب العزاء .. ويدوروا في الأزقّة والطرق قائلين لجدتهم : لن ننساك أبداً ولا الظلم الذي جرى عليك .. وإن ننس فلا ننس ذلك القلب المفعم بالحزن .. والبدن المألوم .. والقبر المجهول ..

حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (51)



اللهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسّرّ المستودع فيها صلّ على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها عدد ما في علمك صلاةً دائمةً بِدوامِ مًلكك وسلطانِك وعَجّل في فرج ولّيكَ وأصلح كل فاسد من أمور المسلمين واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ..

أحقر عباد الله وأفقر إلى رحمة الله

حسين الوحيد الخراساني


الهوامش :
1 - بحار الأنوار ج66ص293
2 - سورة النور : 35
3 - سورة إبراهيم عليه السلام : 1
4 - سورة المؤمنون : 14
5 - سورة الأعراف : 180
6 - سورة الروم : 30
7 - سورة لمائدة : 3
8- انظر : عيون أخبار الرضا ج2ص66 باب 31 حديث 298 ، التوحيد : 307 المستدرك على الصحيحين ج3ص126 ، مجمع الزوائد ج9ص111 ، ومصادر آخرى من العامة والخاصة
9 - سورة إبراهيم عليه السلام : 24-25
10 - أمالي الشيخ الصدوق : 87 مجلس 7 حديث 3 ، ومسند أحمد بن حنبل ج3ص37 .. وغيرهم ..
11 - سورة التوبة : 33
12 - سورة الزمر : 69
13 - سورة النجم : 3
14 - انظر : صحيح البخاري ج4ص210 باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله ، بإختلاف يسير بالإيضاح : 561 ومصادر أخرى من العامة ..
15 - انظر : صحيح البخاري ج4ص210 باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله ، والطرائف : 262 .. ومصادر آخرى من العامة والخاصة
16 - إشارة إلى الحديث العاشر من أصول الكافي ج1ص442
17 - أمالي الشيخ الطوسي : 427 ، المستدرك على الصحيحين ج3ص154
18 - مكاشفات يوحنا الرسول باب 12
19 - سورة الدخان : 4 ، وانظر أصول الكافي ج1ص479
20 - سورة آل عمران : 61
21 - سورة الرحمن : 19 ، وانظر الخصال : 165
22 - سورة الإنسان : 9 ، وانظر : الإرشاد ج1ص178
23 - تاريخ بغداد ج1ص274
24 - المستدرك على الصحيحين ج3ص153
25 - سورة الحديد : 12
26 - سورة القمر : 55
27 - ميزان الإعتدال ج2ص131
28 - تفسير فرات الكوفي : 446
29 - سورة آل عمران : 164
30 - أصول الكافي ج1ص241
31 - الكافي ج4ص314 حديث 2 ، وعنه في وسائل الشيعة ج11ص200 ، أبواب النيابة في الحج باب 26 ، ولاحظ : التهذيب ج5ص450 ، حديث 1572
32 - بحار الأنوار ج43ص177
33 - بحار الأنوار ج79ص106
34 - دعائم الإسلام ج1ص232
35 - خطب نهج البلاغة برقم 202
36 - سورة الأنفال : 24
37 - سورة الشورى : 23
38 - كنز الفوائد : 154
39 - سورة آل عمران : 19
40 - التوحيد للشيخ الصدوق : 152
41 - المستدرك على الصحيحين ج3ص148 و ج3ص110 ، عيون أخبار الرضا عليه السلام ج1ص68 ، ومصادر آخرى للعامة والخاصة ..
42 - سورة المائدة : 54
43 - بحار الأنوار ج43ص214
44 - سورة آل عمران : 18
45 - سورة الرعد : 43
46 - سورة يس : 58
47 - سورة الحشر : 23
48 - الإحتجاج ج1ص134
49 - بحار الأنوار ج43ص175
50 - مناقب آل أبي طالب ج1ص208
51 - سورة يونس : 109

Admin
المدير
المدير

ذكر المساهمات : 962
تاريخ التسجيل : 03/08/2017

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://azkar101.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى